شؤون تحليلية عربية

مصر والسودان تتفقان على تعزيز التعاون الاستخباراتي

التقى رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في مدينة بورتسودان، اللواء حسن رشاد رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، بحضور مدير جهاز المخابرات السودانية الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، في اجتماع أمني رفيع عُقد بعيدًا عن الأضواء، وجاء في توقيت بالغ الحساسية على وقع تصاعد المواجهات الداخلية واتساع تداعياتها الإقليمية، لا سيما على أمن البحر الأحمر والممرات الاستراتيجية.

اللقاء ركّز على تنسيق الجهود الأمنية والاستخباراتية بين الخرطوم والقاهرة، مع الاتفاق على توسيع آليات تبادل المعلومات بشأن التحركات المسلحة والتهديدات العابرة للحدود، وتعزيز التنسيق الميداني في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، بما يشمل شبكات تهريب السلاح والبشر التي تنشط مستفيدة من سيولة الوضع الأمني داخل السودان.

وتناول الاجتماع الترتيبات العملية لتأمين الملاحة في البحر الأحمر، في ظل تصاعد المخاوف من امتداد الصراع السوداني إلى السواحل والموانئ، حيث ناقش الطرفان رفع مستوى الرصد البحري والاستخباراتي، وتعزيز حماية الممرات الدولية وخطوط الإمداد، بما يضمن عدم تعريض التجارة العالمية وأمن الطاقة لمخاطر إضافية.

كما بحث الجانبان سبل دعم الاستقرار في المناطق الحدودية الشرقية للسودان، مع التركيز على منع تسلل الجماعات المسلحة أو استغلال الفراغ الأمني، إضافة إلى تنسيق الجهود لتأمين الممرات الإنسانية وتسهيل وصول المساعدات إلى المدنيين المتضررين من النزاع، بما يقلل من مخاطر توظيف العمل الإنساني لأغراض عسكرية.

السياق الإقليمي

الاجتماع جاء في سياق إقليمي معقّد، حيث تتابع القاهرة تطورات الحرب السودانية وتأثيراتها المحتملة على أمنها القومي، سواء عبر الحدود الجنوبية أو من خلال أمن البحر الأحمر، ما دفعها إلى التأكيد على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع تفككها كمدخل أساسي لاحتواء الفوضى ومنع تمددها إقليميًا.

وفي هذا الإطار، ناقش الطرفان تصاعد تهديدات الميليشيات المسلحة، وعلى رأسها قوات الدعم السريع، التي تُوجَّه لها اتهامات متداولة بانتهاكات واسعة بحق المدنيين وبالتمدد في مناطق استراتيجية حساسة، وهو ما يرفع منسوب القلق الإقليمي ويعزز الحاجة إلى تنسيق وثيق بين السودان ومصر لمواجهة هذه المخاطر ومنع تحولها إلى تهديد مفتوح للأمن الإقليمي.

نتائج اللقاء

نتائج اللقاء تمثلت في الاتفاق على تكثيف قنوات الاتصال الاستخباراتي، ورفع وتيرة التنسيق الأمني المشترك في ملفات الحدود والبحر الأحمر، وتعزيز التعاون في إدارة المخاطر الإنسانية والأمنية المرتبطة بالحرب، مع توحيد الرؤى حول أولوية استقرار السودان كعنصر أساسي لاستقرار المنطقة بأكملها.

الاجتماع عكس انتقال العلاقات السودانية–المصرية إلى مرحلة شراكة أمنية مباشرة، تتجاوز الدعم السياسي التقليدي نحو إدارة مشتركة للتحديات الإقليمية، بهدف احتواء تداعيات الصراع، وحماية المصالح الاستراتيجية، وضمان أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

الدلالات

الاجتماع يعكس انتقال التنسيق المصري–السوداني من مستوى المتابعة السياسية إلى شراكة أمنية مباشرة، مدفوعة بإدراك مشترك أن استمرار الحرب يهدد بتفكيك المجال الأمني الإقليمي، لا سيما البحر الأحمر والحدود الجنوبية لمصر.

اختيار بورتسودان مقرًا للقاء يحمل دلالة رمزية وعملية، باعتبارها مركز الثقل المتبقي للدولة السودانية، ونقطة ارتكاز محتملة لإدارة الأمن البحري والاتصال الخارجي في ظل تآكل السيطرة في الداخل.

تؤكد مشاركة رئيسي جهازي المخابرات أن النقاش تجاوز العموميات الدبلوماسية إلى ملفات عملياتية تتعلق بجمع المعلومات، وتقدير التهديدات، وإدارة سيناريوهات التصعيد المرتبطة بالميليشيات المسلحة.

ويعكس تركيز اللقاء على البحر الأحمر قلقًا متزايدًا من تحوّل الصراع السوداني إلى عامل عدم استقرار بحري، بما يهدد الملاحة الدولية ويستدعي تنسيقًا استباقيًا قبل تشكّل وقائع ميدانية يصعب احتواؤها.

مصر تسعى من خلال هذا التنسيق إلى منع أي فراغ أمني سوداني قد تستغله قوى غير نظامية أو أطراف إقليمية منافسة، بما ينعكس مباشرة على أمنها القومي وحدودها الجنوبية.

إن إدراج ملف المساعدات الإنسانية ضمن النقاش الأمني يدل على إدراك الطرفين لخطورة تسييس العمل الإنساني أو استخدامه كغطاء لتحركات عسكرية، وهو درس مستخلص من تجارب نزاعات إقليمية سابقة.

كما أن الإشارة غير المباشرة إلى قوات الدعم السريع تعكس توافقًا مصريًا–سودانيًا على اعتبارها مصدر تهديد بنيوي لاستقرار الدولة، وليس مجرد طرف نزاع يمكن احتواؤه سياسيًا في المدى القريب.

اللقاء يبعث برسالة ردع إقليمية مفادها أن الخرطوم ليست معزولة أمنيًا، وأن أي تصعيد يهدد الممرات الاستراتيجية سيقابَل بتنسيق دولي–إقليمي متزايد، تقوده القاهرة.

على المستوى الداخلي السوداني، يمنح الاجتماع دفعة سياسية–معنوية لمؤسسات الدولة النظامية، ويعزز سردية الحفاظ على وحدة الدولة في مواجهة مشاريع التفكيك المسلحة.

في المحصلة، اللقاء يمثل خطوة في مسار إدارة الصراع لا حله، ويؤشر إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد أولوية لاحتواء التداعيات الإقليمية للحرب قبل التوصل إلى تسوية داخلية شاملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى