تفكك ملف سجون داعش ومخيم الهول في ظل انسحاب قسد شمال شرق سوريا
شهدت مناطق شمال شرق سوريا تطورات متسارعة عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من مواقع حساسة مرتبطة بملف سجون تنظيم داعش ومخيم الهول. وقبيل إخلاء سجن الشدادي، أقدمت قسد على نقل ستة سجناء من الجنسية التركية إلى جهة غير معلومة، في حين قُتل 13 سجينًا آخرين لم تُعرف جنسياتهم، وفق معطيات ميدانية متقاطعة. ولاحقًا، سُجّل فرار نحو 200 سجين من عناصر التنظيم من السجن ذاته بعد انسحاب قسد، بينما أعلنت القوات الحكومية السورية إلقاء القبض على عدد منهم خلال عمليات التمشيط.
في تطور موازٍ، انسحبت عناصر قسد المكلّفة بحراسة مخيم الهول شرقي الحسكة من دون تنسيق مسبق، ما أدى إلى خروج أعداد كبيرة من المحتجزين وعائلات عناصر داعش، وسط حالة من الفوضى الأمنية. وأكدت معطيات ميدانية أن قسد أحرقت مستندات رسمية وسيرفرات كاميرات المراقبة داخل المخيم قبيل انسحابها.
وبرّرت قسد انسحابها من مخيم الهول بما وصفته بـ«الموقف الدولي اللامبالي» تجاه ملف داعش، وبإعادة تموضع قواتها داخل المدن الكردية الكبرى التي اعتبرتها أكثر عرضة للتهديد، وهي: الحسكة، القامشلي، عامودا، الدرباسية، المالكية، والقحطانية.
في المقابل، أعلنت الحكومة السورية أن انسحاب قسد أدى عمليًا إلى إطلاق سراح محتجزين من تنظيم داعش وعائلاتهم، مؤكدة أن الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي بدأوا الدخول إلى المنطقة لتأمين المخيم وضبط الوضع الأمني.
وبحسب ما تذكره قسد، فإن الحكومة السورية سيطرت على سجن الشدادي، في حين تؤكد أن عمليات إطلاق سراح عناصر داعش جاءت نتيجة ما تصفه بضغوط ميدانية وغياب الدعم الدولي. كما تشير قسد إلى أن القوات الحكومية السورية اقتربت من سجن غويران، الذي يضم أكثر من خمسة آلاف معتقل من عناصر التنظيم.
ميدانيًا، حقق الجيش السوري خلال الأيام الماضية تقدمًا ملحوظًا في ريف الحسكة الجنوبي والشرقي، حيث بسط سيطرته على مخيم الهول، وتل براك، وتل حميس، واليعربية بالكامل. وبالتوازي، التقت وحدات من الجيش السوري بقوات العشائر المحلية في عدة محاور، مع بدء تمهيد عسكري باتجاه مدينة الحسكة.
على الصعيد الإقليمي، رفعت القوات العراقية مستوى التأهب على طول الشريط الحدودي مع سوريا، ونفذت طلعات جوية مكثفة تحسبًا لأي تسلل محتمل لعناصر داعش الفارين. كما عزز الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي انتشارهم، مؤكدين أن الحدود مؤمنة، وأن أي محاولة اختراق ستُواجَه بالقوة.
سياسيًا وشعبيًا، شهد إقليم كردستان العراق تحركات لافتة، تمثلت في اقتحام محتجين أكراد القنصلية الأميركية في أربيل احتجاجًا على ما اعتبروه تخلي واشنطن عن قسد، إلى جانب تنظيم وقفات احتجاجية في السليمانية وزاخو تنديدًا بما يجري في شمال سوريا. كما سُجّل انطلاق قوافل دعم ومقاتلين من السليمانية باتجاه مناطق سيطرة قسد. وفي السياق نفسه، وقعت محاولات لكسر الحدود التركية–السورية في محيط نصيبين، وإنزال العلم التركي من المعبر الحدودي، إضافة إلى صدور دعوات دينية كردية للنفير العام لنصرة أكراد سوريا.
انكفاء دفاعي نحو نهاية تدريجية
مع وصول الجيش السوري إلى مشارف القامشلي، وسيطرته على معبر اليعربية، تتضح ملامح مرحلة مفصلية في مسار ملف قسد شمال شرق سوريا. إذ شكّل معبر اليعربية شريانًا سياسيًا وأمنيًا ولوجستيًا، ومع فقدانه تتراجع قدرة قسد على المناورة والاتصال الخارجي، لتتحول مناطق سيطرتها إلى جزر معزولة.
ويعكس التقدم الميداني الأخير عملية تفكيك متصاعدة، تقوم على فصل قسد عن محيطها، ومحاصرتها داخل مدنها وقراها الرئيسية، عقب خسارتها الأرياف والطرق والمعابر. ويضع هذا الواقع مشروع قسد بصيغته الحالية أمام مأزق وجودي، في ظل استنزاف أوراقه العسكرية، وتآكل غطائه السياسي، وتراجع الرهان الدولي عليه.
كما شكّلت التطورات في سجون داعش ومخيم الهول لحظة كاشفة لهشاشة السيطرة، وأظهرت عجز قسد عن إدارة أخطر الملفات الأمنية، ما سرّع في منح الضوء الأخضر لإعادة انتشار الجيش السوري وملء الفراغ. ومع تضييق الخناق الجغرافي والعسكري، تبدو قسد اليوم أقرب إلى حالة انكفاء دفاعي ضمن نطاق ضيق، لا إلى كيان قادر على فرض أمر واقع.
بهذا المعنى، يشير المشهد إلى نهاية تدريجية لمشروع كامل، يقوم على إنهاك الخصم، وعزل مناطق نفوذه، وسحب الملفات الثقيلة من يده واحدًا تلو الآخر، إلى أن يفقد مبرر وجوده ودوره الوظيفي ضمن المعادلة السورية.




