شؤون تحليلية عربية

السلطات التونسية تحاكم شخصيات بارزة بتهمة التآمر على أمن الدولة

أعلنت تونس استمرار متابعات قضائية بحق شخصيات بارزة، حيث أحالت محاكم مكافحة الإرهاب والجرائم الكبرى مجموعة من القضايا ذات الطبيعة الأمنية والسياسية إلى دوائر مختصة، بما في ذلك قضايا عرفتها الساحة التونسية باسم “التآمر على أمن الدولة” وتورّط فيها مسؤولون ومعارضون وأفراد من المجتمع المدني، ما أثار انتقادات واسعة بشأن استقلالية القضاء وحدود الإجراءات الأمنية.

وتعود جذور هذه القضايا إلى سلسلة ملاحقات بدأت منذ سنوات، وشملت في مراحل سابقة أسماء بارزة مثل رئيس مجلس القضاء “يوسف بوزاخر” الذي واجه اتهامات بالاستفادة غير المشروعة من مزايا منصبه، وشخصيات سياسية بارزة يُزعم تورّطها في “التآمر على أمن الدولة”، الأمر الذي تُعدّ أطواره جزءًا من حملات قضائية أوسع تُدار عبر القطب القضائي لمكافحة الإرهاب بالفرقة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس العاصمة، وقد صدرت بحق بعض المتهمين أحكام بالسجن لسنوات طويلة بتهم تتصل بـ”التآمر”، رغم اعتراضات حقوقية على وجاهة الأدلة وعلاقة الاتهامات بنشاطاتهم السياسية أو المدنية السابقة.

وقد أثارت هذه الإجراءات القضائية جدلًا واسعًا في الأوساط الحقوقية والسياسية، حيث اعتبرت منظمات مثل “العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش” أن بعض الأحكام والملاحقات تنطوي على انتهاكات محتملة لمعايير العدالة الدولية وتشكّل جزءًا من “حملات لقمع المعارضة وتضييق الفضاء المدني”، خصوصًا في ظل اضطراب في استقلالية القضاء منذ عام 2021، وتضمنت الانتقادات الإشارة إلى أحكام قاسية صدرت بحق قياديين سياسيين ومعارضين، بما في ذلك أحكام تصل إلى عشرات السنين في قضايا يُشكك في أسلوب استنادها إلى قرائن غير ملموسة أو إلى تقارير أمنية غير موثوقة.

وتعد هذه المتابعات جزءًا من سياق أوسع من القمع القانوني ضد خصوم سياسيين ومدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية، إذ وثّقت تقارير حقوقية أن السلطات استخدمت قوانين مكافحة الإرهاب والتآمر بحق مجموعة من النشطاء والخصوم، مع استمرار اعتقال أو متابعة شخصيات بارزة طالما أثارت يومًا موقفًا معارضًا أو انتقادًا للسياسات الرسمية، ما يعمّق المخاوف حول تراجع حرية التعبير وسيادة القانون في البلاد.

كما شملت الإجراءات حظر أو تعليق نشاط جمعيات وحقوقيين، وحالات إغلاق أو تجميد نشاط منظمات مدنية، وقد تم استدعاء مسؤولي بعض هذه الهيئات والتحقيق معهم بتهم تتعلق بدعم “تدفقات مشبوهة” أو تأثير أجنبي، وهو ما قوبل بانتقادات من منظمات حقوق الإنسان باعتباره حملة لممارسة ضغط قضائي غير متكافئ على المجتمع المدني.

تعكس الإحالات القضائية المكثفة انتقال المقاربة الأمنية من الاحتواء السياسي إلى إدارة الصراع عبر القضاء، بما يحوّل المحاكم إلى ساحة حسم للتوازنات الداخلية، وهو مسار يحمل مخاطر تسييس العدالة وإضعاف ثقة الفاعلين في حياد المؤسسات وهو موجود ولكن يمكن تغييره إن كانت بالفعل شفافة.

أيضًا فإن اختيار ملفات “التآمر” و”الجرائم ذات الصبغة التنظيمية” يشير إلى توسيع تعريف التهديد الأمني ليشمل النشاط السياسي والشبكي، ما يمنح الأجهزة هامشًا واسعًا للتأويل، لكنه يثير إشكاليات قانونية تتعلق بمبدأ التناسب واليقين القانوني.

أما إدراج شخصيات ذات وزن سياسي ونقابي وإعلامي فذلك يعكس رغبة في تسليط الضوء على تفكيك شبكات التأثير لا الأفراد فقط، في محاولة لمنع إعادة تشكّل مراكز ضغط موازية، وهو نهج أمني وقائي أكثر منه رد فعل ظرفي.

ومن أجل منح الإجراءات غطاءً قانونيًا قويًا داخليًا تم الاعتماد على القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، لكنه يعرّض الدولة لتدقيق دولي مكثف حول معايير المحاكمة العادلة، خاصة مع تكرار الانتقادات الحقوقية.

داخليًا، قد يحقق هذا المسار هدوءًا مؤقتًا، لكنه يفاقم الاستقطاب ويغذّي سرديات المظلومية، ما يرفع كلفة الاستقرار على المدى المتوسط ويحدّ من فرص بناء توافق سياسي مستدام.

خارجيًا، تتحول القضية إلى ورقة ضغط دبلوماسية عبر الاتحاد البرلماني الدولي ومنظمات حقوق الإنسان، بما يربط ملف الحريات بالدعم الاقتصادي والمالي، ويزيد حساسية العلاقات مع الشركاء الغربيين.

بالمحصلة فإن غياب مسار سياسي موازٍ أو حوار وطني جامع يجعل المقاربة القضائية تبدو أحادية، ويُضعف قدرتها على معالجة جذور الأزمة المرتبطة بالحوكمة والتمثيل والثقة بين الدولة والمجتمع. و استمرار هذا النهج قد يعيد تشكيل المشهد الحزبي عبر الإقصاء القانوني بدل التنافس الانتخابي، ما ينتج فراغًا سياسيًا أو معارضة غير منظمة يصعب احتواؤها مؤسسيًا.

الرهان على الردع القانوني يفترض كفاءة قضائية واستقلالًا واضحًا؛ أي خلل إجرائي قد يقوّض الهدف ويحوّل الملفات إلى عبء سياسي وإعلامي طويل الأمد.

الخلاصة أن الفعالية الأمنية قصيرة الأجل تقابلها مخاطر استراتيجية على الشرعية والتماسك المؤسسي، ما يستدعي موازنة دقيقة بين مقتضيات الأمن وضمانات دولة القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى