شؤون تحليلية عربية

عبر مفاوضات مباشرة.. إدارة ترامب تعيد تشكيل مسار الصراع الليبي

تتحرك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة صياغة المشهد السياسي الليبي عبر مفاوضات مباشرة تجمع ممثلين عن الشرق والغرب، متجاوزة دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

التحرك الأمريكي يأتي في مرحلة تتزايد فيها الضغوط الدولية لإبعاد رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، فيما تعمل واشنطن على منع انهيار المؤسسات المالية الليبية وضبط تدفقات الثروة النفطية التي تقف في صلب النزاع الداخلي.

منهجية تفاوض أمريكية جديدة

اعتمدت إدارة ترامب منهجية تفاوضية جديدة مع الأطراف الليبية تقوم على تخطي المسار الأممي التقليدي.

ورغم أن مجلس الأمن فتح الطريق أمام رحيل عبد الحميد الدبيبة، فإن اللقاءات المتكررة بين الدبيبة ومسؤولين أمريكيين، بينهم مستشار الرئيس لشؤون إفريقيا مسعد بولس، ساهمت في تعطيل تنفيذ الترتيبات الدولية المتعلقة بانتقال السلطة.

اتفاق 18 نوفمبر بين طرابلس وبنغازي

أثمرت الوساطة الأمريكية اتفاق 18 نوفمبر بين ممثلي طرابلس وبنغازي، الذي نصّ على وضع برنامج تنمية موحّد بين المنطقتين، بإشراف مصرف ليبيا المركزي برئاسة ناجي عيسى.

ويتضمن الاتفاق آلية لتقاسم الثروة النفطية بصورة أكثر توازناً، وهو ملف شكّل محور التوتر الاقتصادي بين طرفي الصراع لسنوات.

كما يسعى الاتفاق إلى إنهاء ممارسة المصرف الموازي في الشرق — التابع لسيطرة خليفة حفتر — لطباعة العملة دون تنسيق مع مصرف ليبيا المركزي.

وتجدر الإشارة إلى أن روسيا، التي كانت توفر هذا الدعم المالي الفني للشرق، أوقفت هذه الأنشطة منذ سنوات.

نفوذ واشنطن في الاقتصاد الليبي

وبالتوازي مع المسار السياسي، تخضع عمليات مصرف ليبيا المركزي منذ أبريل لتدقيق أمريكي مباشر تنفّذه شركة K2 Integrity، التي تركز على مراقبة تحويلات العملة الأجنبية وإصدار خطابات الاعتماد اللازمة لعمليات الاستيراد، ما يمنح واشنطن نفوذًا غير مسبوق على البنية الاقتصادية الليبية.

اللاعبون المحليون

أما على مستوى اللاعبين الليبيين، فقد نظّم مسعد بولس اجتماعًا مهمًا في روما مطلع سبتمبر جمع صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة، في مؤشر واضح على رعاية واشنطن لقنوات التواصل بين القوتين المتنافستين.

وفي المقابل، كثّفت حكومة الوحدة الوطنية عبر وزير الدولة للاتصال وليد اللافي التنسيق مع واشنطن بهدف تعزيز موقعها.

وفي سياق سعيه لضمان بقائه في السلطة، وقّع عبد الحميد الدبيبة في أغسطس عقدًا مع شركة الضغط الأمريكية ميركوري للشؤون العامة، لتعزيز نفوذه في العاصمة، وذلك قبل أيام من دعوة الأمم المتحدة إلى تشكيل حكومة موحدة جديدة.

بالتزامن، أعلن رئيس الحكومة الموازية أسامة حماد قطع الاتصال مع بعثة الأمم المتحدة (UNSMIL)، متهمًا قطر بتمويل مشروع “الحوار السياسي” الذي ترعاه البعثة لتعزيز مشاركة المجتمع المدني، وهو ما اعتبرته حكومة الشرق تدخلاً خارجيًا داعمًا لمعارضيها.

التحركات الأمريكية الأخيرة

تكشف التحركات الأمريكية الأخيرة عن محاولة واضحة لفرض نموذج إدارة مباشرة للصراع الليبي يقوم على الإمساك بمفاصل الاقتصاد، خصوصًا النفط والقطاع المصرفي، وصولًا إلى تقليص دور الأمم المتحدة.

إدارة ترامب تبدو وكأنها تعيد هندسة التوازنات بين الشرق والغرب عبر تحييد النفوذ الروسي، ومنع انهيار المؤسسات المالية، وتثبيت قنوات تواصل بين حفتر والدبيبة، بما يخلق شبكة ولاءات أكثر خضوعًا للضغط الأمريكي.

ومن المرجح أن تستمر واشنطن في تعميق نفوذها في ليبيا بوصفها ساحة تنافس دولي، خصوصًا أن السيطرة على العصب المالي تمنحها قدرة تأثير تفوق المسار السياسي التقليدي.

لكن في المقابل، قد يؤسس هذا النهج لمرحلة جديدة من الاعتماد الليبي على الوساطة الأمريكية، ما يضعف فرص الحل الليبي الداخلي ويؤجل تسوية شاملة طويلة المدى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى