شؤون تحليلية عربية

كيف ستؤثر نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية على تشكيل الحكومة الجديدة؟

شهدت الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة نتائج لافتة أعادت رسم التوازنات داخل المشهد السياسي، حيث برز رئيس الوزراء “محمد شياع السوداني” بوصفه الفائز الأكبر انتخابيًا، رغم أن طريقه نحو ولاية ثانية يبدو محفوفًا بالعقبات بسبب واقع التحالفات المتداخلة وهيمنة القوى المرتبطة بإيران على المقاعد الحاسمة.

نتائج الانتخابات وتوازنات المقاعد

أظهرت نتائج اقتراع 11 نوفمبر صعودًا بارزًا للسوداني، إذ حصل ائتلافه على نحو 1.3 مليون صوت مكّنته من الفوز بـ 46 مقعدًا، متقدمًا على ائتلاف دولة القانون الموالي لإيران بفارق كبير.

وبرزت في المشهد نتائج الكتل الأخرى، حيث أحرز حزب التقدم السنّي 28 مقعدًا، وأحرز الحزب الديمقراطي الكردستاني 26 مقعدًا، وأحرز الاتحاد الوطني الكردستاني 15 مقعدًا، فيما أحرز ائتلاف دولة القانون 27 مقعدًا، وأحرز ائتلاف الصادقون (عصائب أهل الحق) 27 مقعدًا.

ورغم تقدّم السوداني، بقيت الكتلة الأكبر داخل البرلمان موزعة بين قوى الحشد المدعومة من إيران، التي تحتفظ عمليًا بقدرة شبه منفردة على تشكيل الحكومة أو تعطيلها.

عوامل صعود السوداني في صناديق الاقتراع

استفاد السوداني من عدة عناصر رئيسية، وهي تراجع الإقبال الشيعي مقابل مشاركة سنية واسعة نقلت ثقلًا انتخابيًا لصالحه.

وكان خطابه الانتخابي قائما على الإنجاز الداخلي بدل الارتباط بالتحالفات التقليدية، كما شكل التحسن الملموس في الخدمات والبنى التحتية في بغداد عنصرًا جاذبًا للناخبين، بالإضافة لتحسن ملحوظ في علاقات العراق الإقليمية خصوصًا مع تركيا ودول الجوار العربي، إلى جانب الانفتاح على واشنطن.

لكن مقابل ذلك، بقيت ملفات الفساد والمحاصصة نقطة ضعف جوهرية، إلى جانب سياسات مالية أثارت انتقادات عديدة بسبب تضخم التوظيف الحكومي وارتفاع الإنفاق.

إدارة الملف الأمني والعلاقة مع واشنطن

أظهرت حكومة السوداني قدرة على الحد من نشاط الميليشيات تجاه القوات الأمريكية وإسرائيل، بعدما كان هذا النشاط يهدد بزجّ العراق في صراع إقليمي مفتوح.

كما عارض محاولات إخراج القوات الأمريكية، مفضّلًا إعادة تنظيم الوجود العسكري بدل التصعيد، ما سمح بعودة شركات أمريكية كبرى مثل “إكسون موبيل” و“شيفرون” للاستثمار في العراق.

تعقيدات تشكيل الحكومة الجديدة

رغم بساطة المسار الدستوري من حيث النص، تعقّد البيئة السياسية العراقية عملية تشكيل الحكومة بفعل تقسيم المناصب وفق الأعراف الطائفية: رئاسة البرلمان للسنة، والرئاسة للأكراد، ورئاسة الوزراء للشيعة.

وبفعل تشظي البيت السياسي الشيعي وتنافسه الدائم على منصب رئيس الوزراء، وغياب نظام الأغلبية والمعارضة واعتماد نموذج “الجميع في الحكومة” الذي يفتح الباب أمام مساومات طويلة، بالإضافة لتأجيل الخطوات الدستورية الأساسية بانتظار تسويات شاملة تشمل المناصب الوزارية كافة.

الاتجاهات المستقبلية

تظهر المؤشرات الأولية أن القوى الموالية لإيران لا تميل إلى دعم تجديد ولاية السوداني، على الرغم من شعبيته الانتخابية وتحسّن علاقاته مع العواصم الغربية والعربية.

وفي حال دفعت هذه القوى نحو استبعاد السوداني، قد يجد العراق نفسه أمام عودة لمرحلة نفوذ إيراني مباشر على قرار بغداد، بما يحمله ذلك من ارتدادات على الاستقرار الداخلي والعلاقات الدولية.

دلالات الانتخابات

نتائج السوداني تكشف عن تغير مزاج الناخب العراقي، خصوصًا في المناطق السنية، لكنه ما يزال عاجزًا عن ترجمة هذا الرصيد إلى سلطة تنفيذية صلبة في ظل منظومة سياسية طائفية وتوازن قوى يميل لمصلحة الكتل الولائية.

العراق يقف عند مفترق سياسي حساس؛ فإما حكومة وسطية توازن بين واشنطن وطهران كما حاول السوداني، أو عودة لمنطق الهيمنة الإيرانية المباشرة، وهو سيناريو يحمل مخاطر اقتصادية وأمنية قد تعيد البلاد إلى أجواء ما بعد 2020

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى