شؤون تحليلية عربية

منذ 2019 حتى اليوم.. ما هو أثر التدخل التركي في ليبيا؟

شهدت ليبيا منذ عام 2011 سلسلة من التطورات التي حولت مسارها من دولة مستقرة نسبيًا إلى ساحة صراع معقد.

ومع تفاقم الانقسام السياسي بين الشرق والغرب، واندلاع المعارك حول العاصمة طرابلس في عام 2019، برز التدخل التركي بوصفه أحد أكثر العوامل تأثيرًا في مسار الأزمة الليبية.

فقد نقل هذا التدخل الصراع من نطاقه المحلي إلى مستوى إقليمي ودولي، وأعاد تشكيل موازين القوى العسكرية والسياسية، وألقى بظلاله على البنية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

جاء التدخل التركي في سياق تداخل مصالح متعددة: أمنية واقتصادية وجيوسياسية، إذ سعت أنقرة إلى حماية نفوذها في البحر المتوسط وتأمين مصالحها في المنطقة، بينما رأت حكومة الوفاق الوطني في الدعم التركي وسيلة للحفاظ على بقائها السياسي والعسكري في وجه خصومها.

ومنذ ذلك الحين، أصبح الدور التركي عنصرًا ثابتًا في المشهد الليبي، متغلغلًا في مختلف المجالات من الميدان العسكري إلى مشاريع الإعمار والاتفاقات البحرية.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أثر هذا التدخل على ليبيا منذ عام 2019، من خلال تناول أبعاده السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، ورصد التحولات التي أحدثها في بنية الدولة الليبية وفي علاقاتها الإقليمية والدولية.

كما تسعى إلى إبراز التفاعلات الداخلية التي نشأت عن هذا الدور، وما نتج عنها من فرص وتحديات تمس مستقبل الاستقرار الليبي.

الأثر السياسي

أسهم التدخل العسكري التركي المباشر منذ أواخر عام 2019 في إنقاذ حكومة الوفاق الوطني في طرابلس من الانهيار أمام تقدم قوات الشرق الليبي بقيادة “خليفة حفتر”؛ فقد أدى الدعم التركي إلى تغيير مسار الصراع السياسي عبر إعادة التوازن بين المعسكرين المتنازعين، مانعًا حسمًا عسكريًا أحادي الجانب كان سيؤدي إلى إقصاء الحكومة المعترف بها دوليًا.

ونتيجة لذلك، تمكنت السلطة في الغرب الليبي من الصمود والانخراط لاحقًا في مسارات تفاوضية برعاية الأمم المتحدة بدلًا من انهيارها الكامل واستيلاء الطرف المناوئ على الحكم بقوة السلاح.

على الصعيد الإقليمي والدولي، أدخل التدخل التركي ليبيا في صميم التنافس الجيوسياسي بمنطقة المتوسط.

فقد أثار دعم أنقرة لحكومة طرابلس حفيظة دول داعمة للمعسكر الآخر مثل مصر والإمارات، وكاد أن يتسبب في تصعيد إقليمي خطير مع تلويح القاهرة بالتدخل العسكري المضاد وفرض “خطوط حمراء” لوقف تقدم القوات المدعومة تركيًا نحو الشرق.

كذلك عمّق التحرك التركي الخلافات مع دول أوروبية متوسطية؛ حيث أبرمت أنقرة مذكرة تفاهم مثيرة للجدل مع حكومة الوفاق أواخر 2019 لترسيم الحدود البحرية بين البلدين.

منح هذا الاتفاق تركيا نفوذًا بحريًا واسعًا في شرق المتوسط، لكنه قوبل باعتراضات شديدة من اليونان وقبرص اللتين اعتبرتاه تعديًا على حقوقهما وسيادتهما البحرية.

وهكذا أصبح المشهد السياسي الليبي جزءًا من صراع إقليمي أوسع على النفوذ، تتواجه فيه تركيا مع خصومها في شرق المتوسط وعلى الساحة العربية.

داخليًا، كرّس التدخل التركي نفوذًا طويل الأمد لأنقرة في العملية السياسية الليبية.

فمن جهة، ضمنت تركيا بقاء حلفائها في الحكم بطرابلس خلال مرحلة حاسمة، ثم دعمت مشاركتهم في تشكيل سلطة تنفيذية انتقالية جديدة عام 2021.

ومن جهة أخرى، سعت أنقرة إلى فتح قنوات تواصل مع معسكر الشرق الليبي لاحقًا لضمان عدم معاداة جميع أطراف النزاع لمصالحها الاستراتيجية. ورغم ذلك، أثار هذا الانخراط الخارجي إشكالية سيادة الدولة الليبية، إذ يصرّ خصوم تركيا الداخليين وداعموهم الإقليميون على ضرورة انسحاب كافة القوات الأجنبية كخطوة لازمة لتحقيق مصالحة وطنية حقيقية.

وبذلك حمل التدخل التركي بعدًا سياسيًا مزدوجًا: فهو من جانب حافظ على شريك سياسي ليبي ومنع انهياره، ومن جانب آخر أضفى تعقيدات جديدة على جهود توحيد مؤسسات الدولة وإعادة بناء الشرعية السياسية على نطاق وطني شامل.

الأثر العسكري

كان للتدخل التركي أثر حاسم على مسار العمليات العسكرية في ليبيا، فقد بادرت أنقرة إلى دعم قوات حكومة الوفاق عسكريًا في لحظة حرجة؛ مما قلب موازين القوة على الأرض خلال النصف الأول من عام 2020.

وشمل الدعم التركي نشر مستشارين عسكريين وطائرات مسيّرة هجومية ومنظومات دفاع جوي متطورة، الأمر الذي أدى إلى إيقاف زحف قوات حفتر نحو طرابلس ثم دحرها إلى خطوط تراجع بعيدة عن العاصمة.

وأسهمت التكنولوجيا العسكرية التركية – ولا سيما الطائرات المسيّرة – في تدمير خطوط إمداد الخصم ومنع تفوقه الجوي الذي كان يعتمد على طائرات بدون طيار إماراتية وأنظمة دفاع روسية.

وهكذا أخفق الهجوم على طرابلس وفُرض واقع ميداني جديد أظهر حدود القوة العسكرية لمعسكر الشرق عندما يواجه دعمًا خارجيًا مضادًا مكافئًا.

اتسع الدور التركي عسكريًا ليشمل جوانب عدة، منها نقل مقاتلين سوريين متحالفين مع أنقرة إلى الساحة الليبية لزيادة عديد القوات المدافعة عن طرابلس.

في المقابل، استعان خصوم حكومة الوفاق بمرتزقة أجانب أبرزهم مقاتلو شركة “فاغنر” الروسية ومقاتلون من جنسيات مختلفة، مما جعل ليبيا مسرحًا لتنافس عسكري دولي غير مباشر.

وبحلول يونيو 2020، أدى التدخل التركي (مع الدعم الروسي للجانب المقابل) إلى جمود خطوط القتال عند محور سرت – الجفرة في وسط البلاد، لتتوقف المعارك الواسعة النطاق فعليًا بعد ذلك.

ويمكن القول إن الوجود العسكري التركي كبح بشكل واضح إمكانية إعادة إطلاق هجوم جديد على العاصمة، حيث أصبح وجود القوات التركية وقواتها الحليفة عامل ردع يحسب له حساب لدى أي طرف يفكر في استئناف القتال غربًا.

على المدى الطويل، أسفر التدخل التركي عن إرساء موطئ قدم عسكري دائم لأنقرة في غرب ليبيا.

فقد وقّعت أنقرة اتفاقيات أمنية مع السلطات الليبية تتيح لها التدريب والتواجد العسكري في قواعد ليبية، منها قاعدة الوطية الجوية ومرافق في مصراتة وطرابلس.

وأقر البرلمان التركي عدة مرات تمديد تفويض بقاء القوات في ليبيا، مما يدل على نية تركيا الاحتفاظ بوجودها العسكري ما دام الوضع السياسي والأمني هشًا.

وبالتوازي، تعمل أنقرة على إعادة هيكلة وبناء قوات الأمن التابعة لحكومة طرابلس عبر برامج تدريب وتحديث تهدف إلى إنشاء قوات نظامية موالية لها وقادرة على حماية مصالح الجانبين.

غير أن هذا الوضع يطرح تحديًا أمام جهود توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، إذ يظل الجيش منقسمًا بين شرق وغرب تدعمهما قوى خارجية مختلفة.

بالمحصلة، غيّر التدخل التركي التوازن العسكري في ليبيا بشكل جذري وأنقذ الحكومة الغربية من الهزيمة، لكنه أيضًا رسّخ حالة الاعتماد على الدعم الخارجي وأبقى القوات الأجنبية لاعبًا مؤثرًا في معادلة الأمن الليبية.

الأثر الاقتصادي

انعكس التدخل التركي في ليبيا منذ 2019 على المصالح الاقتصادية لكلا البلدين بصورة كبيرة، فعلى صعيد الثروات الطبيعية، أتاح التحالف بين أنقرة وطرابلس فرصة لإعادة ترسيم التوازنات في شرق المتوسط عبر اتفاقية ترسيم الحدود البحرية.

منح هذا الاتفاق تركيا حق المشاركة في التنقيب عن النفط والغاز في مناطق واسعة من الجرف القاري الليبي والمياه الاقتصادية المقابلة للساحل، مما فتح لها بابًا جديدًا للحصول على موارد الطاقة.

كما ضمن الاتفاق ذاته لحكومة طرابلس اعترافًا تركيًا بمطالبها البحرية، ما يمكّنها من الاستفادة من احتياطيات الغاز المحتملة بالتعاون مع تركيا مستقبلًا.

وقد أثار ذلك حفيظة دول مثل اليونان وقبرص التي رأت في التحرك التركي الليبي تهديدًا لمصالحها الاقتصادية البحرية، فتحول الخلاف حول الطاقة إلى امتداد اقتصادي للأزمة السياسية المحيطة بالتدخل.

على مستوى الاقتصاد المحلي وإعادة الإعمار، وفّر التدخل التركي دعمًا مهمًا للحكومة الغربية وضمانات ساعدت على استقرار نسبي مكّن من استئناف الإنتاج النفطي الليبي إلى حد كبير بعد توقفات سابقة، كما سرّع من عودة الاستثمارات والمشاريع التركية إلى ليبيا.

فتركيا كانت تمتلك تاريخيًا حصّة كبيرة من عقود البناء والبنية التحتية في ليبيا منذ ما قبل 2011، وتعثرت تلك المشاريع مع اندلاع الفوضى.

ومع تثبيت نفوذها بعد 2019، سعت أنقرة لاستئناف هذه المشاريع واستثمار الفرص الجديدة في إعادة إعمار المرافق المتضررة وتطوير مشاريع تنموية.

وقد قدّرت السلطات الليبية حاجتها إلى مئات المليارات من الدولارات لإعادة الإعمار، مع توقع أن تحظى الشركات التركية بحصّة الأسد من العقود بحكم الدعم الذي قدمته أنقرة واستعدادها السريع للمساهمة.

وبالفعل، شهدت الفترة اللاحقة توقيع اتفاقيات بين حكومة طرابلس والشركات التركية في مجالات الكهرباء والبنية التحتية والنقل، الأمر الذي انعكس إيجابًا على الخدمات في غرب ليبيا، وفي الوقت نفسه وفر لشركات تركيا وأسواقها منفذًا اقتصاديًا حيويًا في ظل أزمة اقتصادية كانت تمر بها تركيا داخليًا.

علاوة على ذلك، تعزز التبادل التجاري بين تركيا وليبيا خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ.

أصبحت تركيا من أبرز الشركاء التجاريين لليبيا، حيث تزود الأسواق الليبية بالسلع الاستهلاكية ومواد البناء والمعدات، مما ساعد على تخفيف بعض النقص في السلع وتحسين الحياة اليومية في المناطق الغربية.

كما استفادت تركيا عبر تصدير منتجاتها وتوسيع استثماراتها، فارتفع حجم التجارة الثنائية واستعاد قطاع المقاولات التركي مشاريعه المتوقفة في ليبيا.

في الوقت نفسه، أدت هذه العلاقة الاقتصادية الوثيقة إلى زيادة اعتماد الجانب الليبي (الغربي تحديدًا) على الدعم التركي في مجالات الطاقة والكهرباء وإعادة الإعمار، بينما بقيت مناطق الشرق تعاني عزلة عن هذه المشاريع بسبب الانقسام السياسي.

وأثار انخراط تركيا الاقتصادي أيضًا تحفظات لدى بعض الأطراف الليبية التي رأت فيه ارتهانًا للقرار الاقتصادي الوطني لصالح دولة أجنبية.

ومع ذلك، لا شك أن التدخل التركي حمل بوادر انتعاش اقتصادي في الغرب الليبي وأسهم في بدء أعمال البناء وتحسين الخدمات بعد سنوات من الحرب، مما جعله عنصرًا اقتصاديًا فاعلًا لا يمكن تجاهله في المشهد الليبي الراهن.

الأثر الاجتماعي

ترك التدخل التركي بصمات متباينة على النسيج الاجتماعي الليبي وردود فعل السكان، فمن ناحية، لدى شريحة واسعة من أهالي غرب ليبيا شعور بأن الدعم التركي حال دون سقوط العاصمة في أيدي قوات حفتر، وبالتالي جنب المدنيين ويلات حرب شوارع مدمرة ومجازر محتملة.

لقد أتاح وقف الهجوم على طرابلس بفضل التدخل الخارجي نوعًا من الطمأنينة لسكانها ومناطق الغرب، إذ توقفت المعارك العنيفة وعادت مظاهر الحياة تدريجيًا بعد رفع الحصار والخطر العسكري.

وساهم ذلك في تحسين معنويات السكان وتعزيز نظرة إيجابية لدى الكثيرين في طرابلس ومصراتة تجاه الدور التركي، باعتباره دور المنقذ والحليف الذي وقف إلى جانبهم في لحظة حرجة.

كما عزز الانخراط التركي الروابط التاريخية والثقافية بين الشعبين التركي والليبي في تلك المناطق، عبر زيادة التبادل الثقافي والتعليمي وازدياد حضور المؤسسات التركية الإنسانية والخدمية هناك.

من ناحية أخرى، أثار الوجود العسكري الأجنبي الطويل – سواء التركي أو المرتزقة السوريين التابعين له – بعض التوترات الاجتماعية والشعور بالاستياء لدى فئات من الليبيين.

فعلى الرغم من الترحيب النسبي في الغرب بالدور التركي خلال المعارك، برزت لاحقًا حساسيات مرتبطة بتواجد قوات أجنبية على الأرض الليبية.

وقد شهدت طرابلس ومدن أخرى احتجاجات محدودة تندد بكل أشكال التدخل الخارجي عندما طالت الأزمة الاقتصادية وانقطعت الخدمات الأساسية صيف 2020، حيث عبّر محتجون عن امتعاضهم من صرف العملة الصعبة على المقاتلين الأجانب في الوقت الذي يعاني فيه المواطن الليبي من شح السيولة وتدهور المستوى المعيشي.

وظهرت أيضاً شكاوى محلية من تصرفات بعض المقاتلين السوريين الذين تمركزوا في أحياء سكنية بمحيط طرابلس، إذ تحدّث سكان عن حوادث استفزاز أو تجاوزات فردية أدت إلى احتكاكات مع الأهالي. كما استغلّت أطراف سياسية وإعلامية معادية للحكومة في الغرب وجود المقاتلين الأجانب لتأجيج الرأي العام ضد السلطات، فنشرت شائعات وقصصًا مبالغًا فيها تتهم هؤلاء المرتزقة بارتكاب انتهاكات جسيمة لتأليب الناس وتشويه صورة الحلف التركي-الليبي.

في المجمل، دفع إدراك هذه الحساسيات كلًا من تركيا ومؤيديها الليبيين إلى اتخاذ خطوات لتخفيف الاحتقان الاجتماعي، فجرى الحد من ظهور القوات التركية والمرتزقة في الأماكن العامة وحُصروا في قواعد عسكرية بعيدًا عن المدن قدر الإمكان لتقليل الاحتكاك المباشر مع السكان.

ومع مرور الوقت، أصبح التواجد العسكري التركي أكثر انضباطًا وسرية، مما ساعد على تهدئة المخاوف الشعبية نسبيًا في غرب البلاد.

أما في شرق ليبيا ومناطق سيطرة قوات حفتر، فقد ترسخت نظرة سلبية وشبه عدائية تجاه التدخل التركي، إذ يعتبره الكثيرون هناك عاملًا خارجيًا ساهم في إطالة أمد الانقسام والحيلولة دون “تحرير طرابلس”، على حد وصفهم.

هذا التباين في النظرة الشعبية بين شرق البلاد وغربها عمّق الشرخ الاجتماعي القائم على أساس الولاءات السياسية والمناطقية.

ويمكن القول إن التدخل التركي عزز الاستقطاب الداخلي إلى حد ما: ففي حين وحّد مؤيدي حكومة طرابلس في شعورهم بالامتنان والحماية، شدّد في المقابل من ريبة معارضيهم الذين باتوا يرون الغرب الليبي واقعًا تحت نفوذ تركيا المباشر.

وبالتالي فإن الأثر الاجتماعي للتدخل تداخل مع الانقسام السياسي، وأصبح عاملًا إضافيًا في تشكيل الهوية والصورة الذاتية لدى كل طرف في الصراع.

خلاصة

في المحصلة، أحدث التدخل التركي في ليبيا منذ عام 2019 تأثيرات عميقة ومتعددة المستويات، فعلى الصعيد السياسي، نجحت أنقرة في منع انهيار حليفها الليبي وتأمين موطئ قدم لها في رسم مستقبل ليبيا السياسي، لكنها أيضًا جعلت من الأزمة الليبية ساحة مفتوحة لتنافس إقليمي معقّد زاد من تشابك مصالح الخارج مع الشأن الداخلي.

وعلى الصعيد العسكري، قلبت تركيا موازين الحرب بشكل حاسم وحالت دون سقوط العاصمة، مما رسخ وقفًا لإطلاق النار بحكم الأمر الواقع؛ إلا أن ذلك جاء بثمن استمرار وجود قوات أجنبية وارتباط الأمن المحلي بإرادة قوى دولية.

أما اقتصاديًا فقد جنى الطرفان مكاسب مهمة؛ إذ حصلت ليبيا (الغربية) على دعم اقتصادي واستثمارات ومشاريع حيوية، وحصدت تركيا عقودًا وفرصًا عززت اقتصادها وفتحت لها بابًا إلى ثروات الطاقة في البحر المتوسط.

وعلى المستوى الاجتماعي، وفر التدخل حماية لفئات من المدنيين ومنع وقوع كارثة إنسانية في طرابلس، لكنه بالمقابل أوجد واقعًا جديدًا أحس فيه الليبيون بأن سيادة بلدهم منقوصة بوجود جيوش أجنبية، مما ولّد ردود فعل متباينة بين الترحيب والتذمر.

بهذا الشكل، أعاد التدخل التركي تشكيل معادلة الصراع في ليبيا دون أن يحلها بشكل نهائي.

فقد أنهى مرحلة عسكرية حرجة ومنح أفضلية لطرف على آخر، مما مهّد الطريق لجهود التسوية السياسية، ولكنه أيضًا أبقى ليبيا في حالة انقسام فعلي وتبعية للقوى الخارجية الراعية.

وستبقى التحديات ماثلة أمام الليبيين لتحقيق الاستقرار وبناء دولة موحدة ما لم تُعالج الآثار الجانبية لهذا التدخل وغيره من التدخلات الأجنبية.

يتطلب المستقبل منظورًا ليبيًا جامعًا يستفيد من الدعم الدولي دون الارتهان له، بحيث تستعيد ليبيا سيادتها الكاملة وتوازن علاقاتها الخارجية، وهي مهمة لن تكون سهلة في ظل الإرث الثقيل الذي تركته سنوات الصراع والتدخلات على حد سواء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى