شؤون تحليلية عربية

تطور في العلاقات الفرنسية المغربية بعد مبادرة باريس لتزويد الرباط بالغواصات ومصنع لبناء السفن

شهدت العلاقات المغربية–الفرنسية تطوراً نوعياً مؤخراً من خلال مبادرة باريس لتزويد المغرب بغواصات من الجيل الجديد، إلى جانب إنشاء مصنع لبناء السفن بمدينة الدار البيضاء.

تأتي هذه المبادرة في سياق إقليمي حساس يتسم بتوتر العلاقات الفرنسية–الجزائرية، وتصاعد أهمية الفضاء البحري في الاستراتيجية المغربية، خاصة في ظل مساعي الرباط لتعزيز نفوذها في الصحراء الغربية وتنفيذ مشاريع استراتيجية كأنبوب الغاز الأطلسي.

أعلنت أوساط فرنسية عن مقترح مقدم للسلطات المغربية يشمل تزويدها بغواصات حديثة من الجيل الجديد، إلى جانب إنشاء مصنع متكامل لبناء السفن في الدار البيضاء، جاهز للتشغيل بما يعرف بمبدأ “مفتاح في اليد”.

يأتي العرض الفرنسي في ظل تراجع العلاقات مع الجزائر، ما يمنح باريس دافعاً لتقوية حضورها في المغرب كبديل استراتيجي في شمال إفريقيا. ويمثل المشروع فرصة لتعزيز صناعة الدفاع المغربية، التي تشهد خلال الأعوام الأخيرة تحولاً ملحوظاً من الاستيراد إلى بناء قاعدة صناعية محلية.

تتزامن المبادرة مع مساعي المغرب لتعزيز قدراته البحرية على المحيط الأطلسي، خصوصاً مع مشروع الأنبوب البحري الضخم الذي يربط نيجيريا بالمغرب عبر المحيط، والذي يُنظر إليه كأحد أهم المشاريع الطاقية في إفريقيا.

إن امتلاك قدرات بحرية متقدمة سيعزز قدرة الرباط على حماية هذا المشروع الحيوي.

من جهة أخرى، يربط الملف مباشرة بقضية الصحراء الغربية، حيث ستمكن القدرات البحرية المتطورة المغرب من فرض سيطرة أكبر على السواحل المتاخمة للمناطق المتنازع عليها، وبالتالي تعزيز موقفه في مواجهة جبهة البوليساريو والداعمين الإقليميين لها.

على المستوى الإقليمي، قد تثير المبادرة ردود فعل قوية من الجزائر التي تعتبر تطوير الترسانة المغربية تهديداً مباشراً لموازين القوى في المنطقة، خصوصاً أن البحرية الجزائرية تعتمد على شراكات وثيقة مع روسيا وألمانيا.

كما قد تنعكس الخطوة على العلاقات مع إسبانيا، الشريك البحري التقليدي للمغرب في المتوسط.

أما فرنسا، فهي ترى في هذه الصفقة فرصة لتعويض تراجع نفوذها في غرب أفريقيا عبر تعزيز شراكاتها الدفاعية في شمال أفريقيا، خاصة مع حليف مثل المغرب يتمتع باستقرار سياسي نسبي، وانخراط في القضايا الإقليمية كالأمن في الساحل والتعاون ضد الهجرة غير النظامية.

هدف المبادرة

المبادرة الفرنسية تشكل ركيزة لمشروع استراتيجي يهدف إلى تمكين المغرب من دخول نادي القوى البحرية الإقليمية.

فهي تفتح الباب أمام نقل التكنولوجيا، وتطوير قدرات بشرية محلية، وبناء صناعة دفاعية ذات بعد اقتصادي واستراتيجي.

من الناحية الجيوسياسية، فإن الخطوة تعزز التحالف الفرنسي–المغربي في مواجهة التباعد الفرنسي–الجزائري، وتزيد من تعقيد التوازنات الإقليمية في غرب المتوسط.

كما تمنح الرباط ورقة قوة إضافية في ملف الصحراء الغربية، من خلال التحكم في المجال البحري المجاور.

غير أن هذه المبادرة تدفع المنطقة إلى سباق تسلح بحري جديد، في ظل المنافسة المتنامية بين المغرب والجزائر.

ومع ذلك، فإن تطوير البنية التحتية البحرية المغربية قد يسهم في تعزيز مكانة البلاد كفاعل محوري في أمن الطاقة والنقل البحري الأفريقي–الأوروبي.

المصدر: بوليتكال كيز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى