ما هو الدور الذي تلعبه المخابرات التركية في إدارة الصراعات بالعاصمة الليبية طرابلس؟
تكشف التحركات الأخيرة لرئيس المخابرات التركية إبراهيم كالين في طرابلس عن دور محوري لأنقرة في إدارة التوازنات بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد دبيبة وميليشيا الردع.
هذه الوساطة، التي جنّبت العاصمة حربًا مفتوحة، تعكس استراتيجية تركية مزدوجة، تثبيت النفوذ الأمني والعسكري في الغرب الليبي، مع الانفتاح على الشرق عبر صفقات دفاعية وعقود اقتصادية.
دور المخابرات التركية في ليبيا
تتحرك تركيا في ليبيا بخطوات محسوبة، تقودها هذه المرة المخابرات التركية عبر رئيسها إبراهيم كالين، الذي بات لاعبًا أساسيًا في هندسة التوازنات داخل طرابلس.
فمنذ اندلاع التوتر بين حكومة عبد الحميد دبيبة وميليشيا الردع في حزيران/ يونيو، كثّف كالين زياراته للعاصمة الليبية، ليلعب دور “رجل الإطفاء” ويمنع الصراع من الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
تجلت نتائج هذه الوساطة في 14 أيلول/ سبتمبر، حين انسحبت ميليشيا الردع من بعض مواقعها، وهو انسحاب جاء بعد مفاوضات مضنية أقنع خلالها كالين رئيس الوزراء بضرورة التفاوض وتجنّب خيار الهجوم العسكري.
تركيا تحظر استخدام مسيراتها في طرابلس
حذرت أنقرة بوضوح من استخدام الطائرات التركية المسيّرة ضد الميليشيا، معتبرة أن أي هجوم غير محسوب قد يفتح الباب أمام حرب طويلة الأمد في العاصمة، خاصة مع نجاح الردع في بناء تحالفات مع مجموعات مسلحة أخرى خارج طرابلس.
تنازلات متبادلة
الاتفاق لم يخلُ من التنازلات المتبادلة؛ فبينما تراجعت الردع عن السيطرة على مطار معيتيقة المدني، احتفظت بوجودها في المنطقة العسكرية للمطار.
في المقابل، التزمت قوات الدبيبة بسحب اللواءين 111 و444 من مطار طرابلس الدولي، ما أظهر حجم التدخل التركي المباشر في هندسة توزيع النفوذ داخل العاصمة.
استراتيجية أنقرة في الغرب الليبي
هذا التوازن الذي فرضته أنقرة لم يكن مجرد تحرك أمني لاحتواء الأزمة، بل جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تثبيت موطئ قدم دائم في الغرب الليبي.
فوجود القاعدة العسكرية التركية في الوطية، إلى جانب القوات المنتشرة في طرابلس، يعزز قدرة أنقرة على التحكم في مسار الأحداث.
كما أن الاستقرار النسبي يسمح للشركات التركية بمواصلة أنشطتها الاقتصادية في السوق الليبية، التي تعد من بين الأكثر حيوية لمصالح أنقرة في شمال أفريقيا.
علاقات أنقرة مع حفتر
غير أن النفوذ التركي لا يقتصر على طرابلس وحدها، فبينما تحافظ أنقرة على دعمها لحكومة الوحدة الوطنية من أجل ضمان استمرارية اتفاقيات الدفاع الثنائية الموقعة منذ 2019، فإنها في الوقت نفسه وقّعت عقودًا عسكرية مع الجنرال خليفة حفتر، الرجل القوي في الشرق الليبي.
هذا الانفتاح على معسكر حفتر يعكس براغماتية تركية متزايدة، حيث تستثمر أنقرة في جميع أطراف المشهد الليبي للحفاظ على تدفق عقود بيع الأسلحة من جهة، وتأمين مصالحها الاستراتيجية في شرق المتوسط من جهة أخرى.
فالموافقة المنتظرة من مجلس النواب الليبي، برئاسة عقيلة صالح، على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة نهاية 2019 مع طرابلس، تظل هدفًا استراتيجيًا حيويًا لتركيا.
ومن هنا تأتي أهمية إبقاء قنواتها مفتوحة مع سلطات الشرق الليبي، رغم التناقضات السياسية والعسكرية.
بهذا المعنى، لا تبدو التحركات التركية في ليبيا مجرد إدارة لأزمة محلية، بل هي جزء من مشروع نفوذ إقليمي يتقاطع فيه الأمني بالعسكري، والاقتصادي بالسياسي، في ساحة تعتبرها أنقرة امتدادًا مباشرًا لمصالحها الاستراتيجية في المتوسط.
المصدر: بوليتكال كيز




