القرن الأفريقي: مطار بوصاصو.. نقطة لوجستية في شبكة النفوذ الإقليمي
أثار هبوط طائرة شحن من طراز IL-76TD في مطار بوصاصو بإقليم بونتلاند -يتمتع بحكم ذاتي- في الصومال يوم 30 آب/أغسطس 2025، جدلاً واسعًا وتساؤلات حول طبيعة شحنتها وأبعادها السياسية والأمنية. الطائرة، التابعة لشركة “فلاي سكاي إيرلاينز”، جاءت من مطار الكفرة في ليبيا، وهي منطقة مضطربة معروفة بأنها نقطة عبور للشحنات العسكرية. وقد تزامن وصولها مع تحركات دبلوماسية مكثفة، مما يعزز التكهنات حول دور بوصاصو كبوابة لوجستية لدعم أطراف في النزاعات الإقليمية، لا سيما في السودان.
مسار الرحلة وتفاصيلها التقنية
أظهرت تسجيلات الرحلة (Mode-S data) أن الطائرة نفذت مسارًا حساسًا من الكفرة بليبيا إلى بوصاصو بالصومال. وتُعرف طائرات الشحن من طراز IL-76TD بقدرتها على نقل معدات ثقيلة، بما في ذلك الأسلحة، مما يعزز فرضية أن حمولتها لم تكن مدنية بحتة. وقد أشارت صور الأقمار الصناعية إلى أن الطائرة توقفت في منطقة معزولة بالمطار، بعيدًا عن الاستخدام المدني، مما يشير إلى احتمالية تفريغ معدات ذات طابع أمني أو عسكري.
تحركات دبلوماسية متزامنة ودلالاتها
جاء هبوط الطائرة في سياق إقليمي بالغ الحساسية. ففي 28 آب/أغسطس، وصل إلى مقديشو وفد إماراتي رفيع المستوى برئاسة الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان، وزير الدولة لشؤون الخارجية، حاملاً رسالة من رئيس دولة الإمارات، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. هدفت الزيارة بشكل رسمي إلى تعزيز العلاقات الثنائية، خاصة في مجالات الأمن والتنمية.
في المقابل، سبقت هذه الزيارة بيومين وصول رئيس جهاز المخابرات السوداني، الفريق أحمد إبراهيم مفضل، إلى مقديشو لبحث التعاون الأمني مع الحكومة الصومالية الفيدرالية. هذا التزامن أثار تساؤلات حول وجود رابط غير مباشر بين الحدثين، خاصة مع الاتهامات الموجهة لجهات إقليمية، ومنها الإمارات، بتقديم دعم لوجستي لقوات الدعم السريع في السودان عبر ممرات سرية، من بينها مطار بوصاصو.
بوصاصو.. نقطة محورية في الصراعات الإقليمية
يكشف هذا الحدث عن أبعاد سياسية وأمنية أعمق:
- ضعف السيادة الصومالية: يبرز هبوط الطائرة دون تنسيق مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو عمق الانقسام بين بونتلاند والحكومة المركزية. فالأنشطة الإماراتية في بونتلاند، والتي تشمل تطوير ميناء ومطار بوصاصو عبر “موانئ دبي العالمية” وتمويل قوات الشرطة البحرية، تتم خارج إشراف مقديشو، مما يؤكد ضعف سيطرة الحكومة على مجالها الجوي وسيادتها.
- تحول بوصاصو إلى عقدة لوجستية: يُظهر النشاط المتزايد في المطار، بما في ذلك تركيب رادارات إسرائيلية الصنع، أن بوصاصو تتحول تدريجيًا إلى عقدة لوجستية إقليمية. هذه العقدة تخدم مصالح إقليمية ودولية متشابكة، على رأسها الإمارات، وربما تُستخدم كنقطة عبور رئيسية لدعم أطراف في نزاعات مجاورة مثل الصراع السوداني.
- مخاطر التصعيد: في حال استمرار مثل هذه الرحلات، فإن المشهد الصومالي مرشح لمزيد من التعقيد. قد يؤدي تدفق الدعم الخارجي إلى تعزيز استقلالية بونتلاند عمليًا وإضعاف مشروع الحكومة الفيدرالية في المصالحة الوطنية. كما أن تدويل الأزمة، عبر ربط بوصاصو بعمليات دعم لقوات الدعم السريع، قد يفتح الباب أمام نقاشات داخل مجلس الأمن الدولي حول التدخلات الخارجية في الصومال والسودان، مما سيضع الإمارات وبونتلاند في دائرة الجدل الإقليمي والدولي.
يمثل وصول طائرة الشحن هذا حدثًا يتجاوز كونه مجرد رحلة جوية، ليكشف عن هشاشة الوضع الصومالي الداخلي، ويبرز استمرار تنافس القوى الإقليمية على النفوذ في القرن الأفريقي على حساب وحدة واستقرار الدولة.
المصدر: بوليتكال كيز




