مقابل تهجير أهالي غزة.. إدارة ترامب تعرض على مصر حل أزمة سد النهضة الإثيوبي
يشكّل سد النهضة الإثيوبي أحد أخطر التحديات الاستراتيجية التي تواجه مصر منذ عقود، نظرًا لتأثيره المباشر على حصتها التاريخية من مياه النيل.
ورغم سنوات من المفاوضات مع إثيوبيا والسودان، ما زالت الأزمة دون حل وتتعقد بشكل مستمر.
في هذا السياق، أعرب ترامب نيته في حل النزاع، موجهًا اللوم تجاه الإدارات السابقة التي موَلت في الاتجاه الخاطئ.
تشكك القاهرة في نوايا واشنطن، إذ ترى أن تلك الوساطة قد تكون مشروطة بقبول مصر خطة أمريكية – إسرائيلية قديمة تهدف إلى تهجير الفلسطينيين من غزة نحو سيناء أو الاندماج في المجتمع المدني.
خطة ترامب للضغط على مصر
سعت إدارة ترامب إلى استخدام أزمة سد النهضة كورقة ضغط على مصر، عبر إغراء القاهرة بتدخل أمريكي “حاسـم” في النزاع مع إثيوبيا، مقابل قبولها باستضافة أعداد من الفلسطينيين في سيناء أو دمجهم في المجتمع المدني.
وأفادت وسائل إعلام عبرية أن واشنطن أعادت طرح خطة قديمة لتوطين سكان غزة في سيناء تحت مسمى “حل إنساني مؤقت”، بدعم سياسي واقتصادي أمريكي، وبمباركة إسرائيلية.
تلمّح واشنطن إلى أن دعمها لمصر في مواجهة أديس أبابا، سواء سياسيًا أو فنيًا، سيكون مشروطًا بتنازلات في ملف اللاجئين الفلسطينيين. هذا الربط بين ملف المياه والتهجير يثير قلق القاهرة، التي تعتبره ابتزازًا سياسيًا يهدد سيادتها ومصالحها القومية.
الموقف المصري
أصدرت وزارة الخارجية المصرية بيانات واضحة ترفض أي خطط لإعادة توزيع الفلسطينيين خارج غزة، مؤكدة أن أي حل يجب أن يكون داخل الأراضي الفلسطينية.
كما اعتبرت القاهرة أن تهجير الفلسطينيين يمثل خطًا أحمر وتهديدًا مباشرًا للأمن القومي، خصوصًا في ظل الوضع الحساس لسيناء.
تطرح مصر بالمقابل رؤيتها الخاصة لليوم التالي في غزة: حكومة تكنوقراطية مؤقتة، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية الفلسطينية بإشراف السلطة، دون أي مساس بالسيادة المصرية.
شرعت مصر في مد نفوذها في غزة بشكل جديد حيث بدأت حملة توزيع مساعدات عن طريق كبار العائلات في غزه والتابعين لهم بطريقة تسجيل نظامية مبنية علي نظام معلوماتي كما حدث في سيناء تحت اسم “وثيقة تعارف”، فيما بدا أنها خطوة تأتي في سياق بسط نفوذ مصري في غزة عن طريق العشائر ومشايخ القبائل الذين يرغبون في دور مصري أكثر بروزًا في غزة.
تأتي الخطوة بعدما شرعت الإمارات في دعم بعض العصابات الفلسطينية، وبعدما برزت بفجاجة نوايا إسرائيل التوسعية. تدرب مصر قوات فلسطينية للعمل على حفظ الأمن ودعم حكومة تكنوقراط ضمن خطة مصر لليوم التالي في غزة.
حتى الآن لا تبدو نية في الأفق للتنازل عن الموقف المصري من التهجير، لكن السيء أنه لا يوجد كذلك لدى النظام المصري حل حقيقي لأزمة المياه وسد النهضة، ولا يبدو حل خلخلة النظام الاثيوبي مجديًا حتى الآن.
لا يبدو لدى النظام المصري حل مضاد لابتزاز الأمريكان سوى إيجاد حل لوقف الحرب على غزة والحشد لدعم خطتها لليوم التالي.
مصر تاريخيًا رفضت كل المقترحات المتعلقة بتوطين الفلسطينيين على أراضيها، معتبرة أن ذلك يُضعف القضية الفلسطينية ويفتح الباب أمام تغييرات ديموغرافية وأمنية خطيرة، الرفض ليس فقط سياسيًا، بل مدعوم من مؤسسات الدولة والمجتمع.
لا يعد الطرح الأمريكي استثناءً؛ فالولايات المتحدة تاريخيًا اعتادت على شراء الأراضي والمواطنة بالمال والصفقات التبادلية، لذا فإنهم لا يعدون اعتبارًا حقيقيًا لأسباب رفض مصر تهجير الفلسطينيين للأراضي المصرية، ومن المرجح أن تستمر الضغوطات والمغريات بما لا يجعل أحد قادر على استبعاد سيناريو تحقيق المخطط.
تعكس محاولة إدارة ترامب الربط بين ملف سد النهضة وتهجير الفلسطينيين منهجًا أمريكيًا – إسرائيليًا تقليديًا يقوم على استغلال أزمات المنطقة لإعادة صياغة الواقع بما يخدم أجندتهما.
من الناحية المصرية، القبول بمثل هذه الصيغة يعني تقويض الموقف التاريخي الرافض لتوطين الفلسطينيين خارج أرضهم، وهو تهديد مباشر للأمن القومي، خصوصًا في سيناء التي تواجه تحديات أمنية متكررة، وخسارة شرعية إقليمية، إذ ستُتهم القاهرة بالتواطؤ في تصفية القضية الفلسطينية، وخسارة خط الدفاع الأول ضد إسرائيل.
يعكس الموقف المصري الحازم بالرفض إدراكًا استراتيجيًا بأن أي تنازل في هذا الملف سيُستخدم كمدخل لإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، رغم القصور والحمق السياسي والأخلاقي الذي ارتكبه النظام الحالي في الكثير من المناسبات.
المصدر: بوليتكال كيز




