الإمارات ركيزة “بريكس+” الجديدة.. تعزيز مالي ونفوذ جيوسياسي
تُمثل مجموعة بريكس (BRICS) تكتلاً اقتصاديًا صاعدًا بدأ بذكر المصطلح عام 2001 على يد الاقتصادي جيم أونيل، ليشير إلى دول ذات اقتصادات سريعة النمو هي البرازيل وروسيا والهند والصين. تحوّل هذا المصطلح إلى هدفٍ مشترك لهذه الدول الأربع، قائم على فكرة الخروج من هيمنة القوى الغربية على المؤسسات الدولية. وقد عُقد أول اجتماع رسمي لوزراء خارجية هذه الدول في سبتمبر 2006، تلاه أول قمة للمجموعة في يونيو 2009. وفي ديسمبر 2010، انضمت جنوب أفريقيا، ليُولد بذلك مصطلح BRICS بشكله المعروف.
“بريكس” ما قبل التوسع: من إصلاح النظام المالي إلى تعدد الأقطاب
في سنواتها الأولى، سعت مجموعة بريكس لتحقيق هدفين عريضين: إصلاح النظام المالي الدولي، والانتقال إلى نظامٍ متعدد الأقطاب، وذلك بتعزيز حضور ما عُرف بالجنوب العالمي (Global South). لعل أبرز إنجازات المجموعة في تلك الفترة كان تأسيس البنك الجديد للتنمية (NDB)، بهدف تمويل مشاريع التنمية والبنية التحتية، وإنشاء مخزون الطوارئ (CRA) لدعم الدول الأعضاء في حالات الأزمات.
من بين الأهداف الطموحة الأخرى التي لا تزال قائمة حتى اليوم، سعت المجموعة للتخلي عن التعامل بعملة الدولار واستبدالها بالعملات المحلية. تطورت مجموعة بريكس بمرور الزمن، واتخذت شكلاً أكثر مؤسسية، وتوسعت أجندتها لتشمل 34 هدفًا مختلفًا، منها التعاون السياسي-الأمني، والتعاون الاقتصادي والاجتماعي، بالإضافة إلى نشاط المجموعة داخل قمة الدول العشرين (G20) . وقد حققت المجموعة نسبة 77% من 933 التزامًا اتفقت عليها الدول في أول 13 عامًا من تأسيسها (2009-2022)، رغم تحديات عالمية ونزاعات جيوسياسية بين الدول الأعضاء، مثل النزاع الحدودي بين الهند والصين.
انضمام الإمارات: دفعة مالية ونفوذ لوجستي
كانت الخطوة الأولى التي انضمت بها الإمارات إلى فلك بريكس هي انضمامها للبنك الجديد للتنمية في أكتوبر 2021. وفي القمة الخامسة عشرة التي عُقدت في جوهانسبيرغ، جنوب أفريقيا، في أغسطس 2023، وُجّهت دعوة رسمية للإمارات للانضمام، لتصبح عضوًا رسميًا في الأول من يناير 2024. بذلك، تحوّلت مجموعة بريكس إلى “بريكس+”، التي تضم اليوم إلى جانب الدول الخمس المؤسسة، كلاً من: مصر، إثيوبيا، إيران، أندونيسيا، والإمارات.
منذ انضمام الإمارات، برز دورها كدولة تملك موارد مالية وفيرة. وقد وضعت الإمارات خططًا لضخ المزيد من رؤوس الأموال في البنك الجديد للتنمية بهدف زيادة السيولة. حرصت الإمارات على تأكيد مكانتها المالية وحصد مكاسب اقتصادية من وجودها في المجموعة، فانضمت إلى مجلس إدارة المجموعة، واحتضنت المكتب الإقليمي للبنك في الشرق الأوسط. كما توصلت أبوظبي إلى اتفاق لاحتضان أول فرع دولي لبنك آسيا لاستثمارات البنية التحتية (AIIB)، وهو بنك قريب من البنك الجديد للتنمية. توازى ذلك مع زيادة وتيرة الصادرات والواردات، وتحوّل الإمارات إلى نقطة وصل حيوية بين دول الشرق الأوسط ودول أفريقيا وأمريكا اللاتينية.
إلى جانب ذلك، برز دور الإمارات في قطاعات مثل البحث العلمي والتكنولوجيا والابتكار، تحديدًا في الفضاء والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، وأيضًا التنمية المستدامة والتغير المناخي، ومن ذلك تعهدها بدفع 50 مليار دولار لمشاريع الطاقة المتجددة في عام 2024.
النشاط التجاري والمالي للإمارات في “بريكس”
يمكن تلخيص دور الإمارات في القطاع المالي والتجاري ضمن بريكس في ثلاثة محاور رئيسية:
• دعم البنك الجديد للتنمية.
• تعزيز التجارة مع دول بريكس.
• وتفعيل دورها كنقطة وصل استراتيجية.
- دعم البنك الجديد للتنمية: كان مجرد انضمام الإمارات للبنك الجديد للتنمية في أكتوبر 2021 دفعةً قويةً له. على عكس الدول الأخرى التي انضمت (بنغلادش، الأوروغواي، مصر)، صُنّفت الإمارات بأنها “عضو غير مقترض” و”مساهم حصيلة”. كما أن الإمارات تملك تقييمًا ائتمانيًا عاليًا (AA-)، مما يسهم في رفع التقييم الائتماني للبنك نفسه، ومن ثم يساعده على زيادة رأس ماله الكلي بإصدار السندات. كما ساهمت الإمارات، بمخزونها المالي الكبير، في تمويل مشاريع في دول أخرى عضو في البنك، كتقديمها 200 مليون دولار لبنغلادش.
- تعزيز العلاقات التجارية: عزّز انضمام الإمارات لبريكس علاقاتها التجارية مع الدول الأعضاء. يبلغ حجم التجارة غير النفطية بين الإمارات ودول البريكس 93.2 مليار دولار سنويًا، ويشكل ذلك أكثر من 20% من إجمالي التجارة الإماراتية غير النفطية. يتماشى هذا مع أهداف الإمارات بتنويع اقتصادها والتحول نحو اقتصاد غير نفطي.
o الصين: أكبر شريك تجاري للإمارات عام 2022 (64 مليار دولار)، وثالث أكبر مستثمر أجنبي في الإمارات (أكثر من 4000 شركة صينية). يُتوقع وصول التجارة إلى 200 مليار دولار بحلول 2030.
o الهند: ثاني أكبر شريك تجاري للإمارات، وهناك مؤشرات على ازدياد حجم التجارة، خاصة مع موافقة الإمارات على دفع الهند مستحقات النفط بعملة الروبية الهندية.
o روسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا: شهد حجم التجارة مع هذه الدول زيادة سنوية، فبلغ مع روسيا 9 مليارات دولار عام 2022، ومع البرازيل 4.3 مليار دولار، ومع جنوب أفريقيا 6.5 مليار دولار في نفس العام. الإمارات هي أكبر مستثمر من منطقة الشرق الأوسط في البرازيل. - نقطة وصل استراتيجية: تحتل الإمارات موقعًا استراتيجيًا يسمح لدول البريكس بالوصول إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا. يتجلى ذلك في تطوير الإمارات لطرق تجارية تصل باكستان وأفغانستان وآسيا الوسطى، وغيرها من الطرق البحرية، وتتقاطع هذه المساعي مع مبادرة الحزام والطريق الصينية، حيث تتصدر شركة DP World الإماراتية هذه الجهود. يُعد مرور أكثر من 60% من صادرات الصين إلى الشرق الأوسط عبر الإمارات مؤشرًا رئيسيًا على هذا الدور.
قطاع الطاقة: نفوذ متنامٍ في سوق عالمي
تُصنف الإمارات سابع أكبر منتج للنفط في العالم، وتملك احتياطيات نفطية ضخمة تمنحها أهمية جيوسياسية كبيرة. ومع انضمام دول نفطية رئيسية مثل السعودية و إيران والإمارات إلى مجموعة “بريكس+”، تسيطر هذه المجموعة على أكثر من 40% من إنتاج النفط العالمي، وأكثر من نصف احتياطيات الغاز، مما يعزز نفوذها في قطاع الطاقة العالمي.
تسعى الإمارات إلى تعميق التعاون في مجال الطاقة مع دول بريكس، لاسيّما مع الصين والهند اللتين تمثلان أكبر الأسواق الاستهلاكية للطاقة. يتيح انضمام الإمارات فرصًا أكبر لتنسيق سلاسل الإمداد العالمية وضمان أمن الطاقة. كما تشهد علاقات الإمارات وروسيا تعاونًا ملحوظًا في إطار اتفاقية أوبك+، ومن المنتظر أن تلعب الإمارات دورَ مركزٍ لإعادة تصدير النفط الروسي.
للطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي دورٌ متنامٍ في استراتيجية الإمارات ضمن إطار تعاونها مع دول بريكس. فالإمارات تُعد من الدول الرائدة في الاستثمار في مشاريع الطاقة النظيفة (70% من إجمالي قدرات دول مجلس التعاون الخليجي)، وأطلقت مبادرات كبرى مثل مدينة مصدر ومجمع محمد بن راشد للطاقة الشمسية، واستثمرت أكثر من 50 مليار دولار في مشاريع الطاقة النظيفة في أكثر من 70 دولة، مع خطط لمضاعفة هذا الاستثمار.
قطاع السياسة والأمن: توسيع النفوذ في الجنوب العالمي
شهدت قمة بريكس في مدينة قازان الروسية عام 2024 مناقشات حول توسيع نطاق عمل بريكس ليشمل قضايا سياسية وأمنية إلى جانب التعاون الاقتصادي. وقد شارك أعضاء بريكس، بما في ذلك الإمارات، في بحث تطوير أطر قانونية ومؤسسية لتسهيل التعاون العسكري الدولي، وتبسيط إجراءات التجارة، وتعزيز الحوار الأمني بين الدول الأعضاء.
يظهر أن الإمارات تنظر إلى بريكس كفرصة لتوسيع نفوذها في الجنوب العالمي، وهو ركيزة أساسية في سياساتها الخارجية والاقتصادية المتطورة. يُبرز هذا التوجه من خلال زيادة حجم التجارة غير النفطية مع دول بريكس، مما يعكس دور الإمارات كمركز لوجستي وإعادة تصدير يربط بين أفريقيا وآسيا وأوروبا. كما تمنح عضوية بريكس الإمارات فرصًا استثمارية جديدة في الأسواق الناشئة والاقتصادات الأقل تطورًا، حيث تشارك في مبادرات كبرى مثل البنك الجديد للتنمية الذي يمول مشروعات البنية التحتية والتنمية المستدامة في الجنوب العالمي. يُلاحظ وجود تقاطع بين القطاعات التي تركز عليها الإمارات وبين أولويات دول الجنوب، كالتكنولوجيا، والأمن الغذائي، واللوجستيات، والطاقة النظيفة، والبنية التحتية، والابتكار المالي.
المصدر: بوليتكال كيز




