شؤون تحليلية عربية

مصر تعزز دفاعاتها الجوية بنظام صيني وتفتح الأبواب لتحالف استراتيجي مع بكين

في تحول استراتيجي لافت في سياسة التسليح المصرية، أعلنت القاهرة رسميًا عن تشغيل نظام الدفاع الجوي الصيني بعيد المدى HQ-9B . هذه الخطوة، التي تمثل ابتعادًا تدريجيًا عن الموردين الغربيين التقليديين، خاصة في ظل القيود الصارمة التي تفرضها الولايات المتحدة وأوروبا على تصدير أنظمة الأسلحة المتقدمة، تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات الدفاعية المصرية الصينية.

HQ-9B: إضافة نوعية للدفاع الجوي المصري

النظام الجديد، الذي طورته شركة الصين لاستيراد وتصدير الآلات الدقيقة (CPMIEC) تحت مظلة شركة علوم وصناعة الفضاء الصينية، يُقارن من حيث القدرات بأنظمة عالمية مثل إس-400 الروسية وباتريوت PAC-3 الأمريكية. يتميز HQ-9B برادار متعدد المراحل يتجاوز مداه 300 كيلومتر، وقدرة فائقة على تعقّب عشرات الأهداف في آن واحد، بما في ذلك الطائرات الشبحية، والصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز. يوفر هذا النظام غطاءً دفاعيًا متعدد الطبقات، مما يعزز حماية البنية التحتية الحيوية لمصر.
كشف اللواء المتقاعد سمير فرج عن تفاصيل تشغيل النظام خلال مقابلة تلفزيونية، مؤكدًا أن HQ-9B أصبح جزءًا لا يتجزأ من شبكة دفاعية متكاملة تشمل عدة أنظمة، ويمنح مصر مرونة استراتيجية غير مسبوقة في مواجهة التهديدات الإقليمية. تتألف كل بطارية من رادار متطور، وعدد من منصات الإطلاق المتنقلة، ومراكز قيادة، وتغطي ارتفاعات تصل إلى 30 كيلومترًا وبمدى اشتباك يبلغ 260 كيلومترًا.

مؤشرات على تحالف دفاعي أوسع مع الصين


تتجاوز أهمية تشغيل نظام HQ-9B مجرد صفقة تسليح، حيث تشير التقارير التي اطلعت عليها “بوليتكال كيز | Political Keys” إلى اهتمام مصري متزايد باقتناء مقاتلات J-10C وJ-35A الصينية الشبحية.
في حال إتمام هذه الصفقات، ستصبح مصر أول قوة جوية عربية تمتلك مقاتلات من الجيل الخامس صينية الصنع، مما يمثل قفزة نوعية في قدراتها الجوية.
ولتعزيز هذا التقارب، أجرت القوات الجوية المصرية في نيسان/ أبريل الماضي أول تدريب جوي مشترك لها مع سلاح الجو الصيني تحت اسم “نسور الحضارة 2025”. تضمن التدريب استخدام مقاتلات J-10C وطائرة الإنذار المبكر KJ-500 وطائرة التزود بالوقود YU-20 . وقد وصفته بكين بأنه خطوة لتعزيز التعاون والثقة، وأتاح للقاهرة تقييمًا مباشرًا لقدرات السلاح الجوي الصيني. لم يستبعد الخبير العسكري وانغ يونفاي أن يفضي التمرين إلى صفقات تسليح مشتركة أو نقل للتكنولوجيا في المستقبل، مما يؤكد عمق هذا التعاون.

دوافع التحول المصري: قيود الغرب ومرونة الصين


يأتي التقارب العسكري بين القاهرة وبكين في ظل تصاعد التحديات التي تواجه مصر من مورديها التقليديين. على الرغم من امتلاك مصر لمقاتلات رافال الفرنسية، إلا أنها لم تتمكن من الحصول على صواريخ “ميتيور” بعيدة المدى بسبب اعتراضات إسرائيلية. تكرر هذا السيناريو مع حظر أمريكي طويل الأمد على تزويد مصر بصواريخ AIM-120 AMRAAM لاستخدامها على طائرات F-16 .
ورغم أن القاهرة تتلقى مساعدات عسكرية أمريكية سنوية تتجاوز 1.3 مليار دولار، إلا أنها غالبًا ما تُعامل كمشغل “من الدرجة الثانية”، خاضع لقيود سياسية وعسكرية تحدّ من خياراتها الدفاعية. في المقابل، تعرض الصين تقنيات عسكرية متقدمة بشروط أكثر مرونة، مع عروض تمويل ميسّرة، وخيارات للتجميع المحلي أو نقل التكنولوجيا، ما يتماشى بشكل كبير مع طموحات مصر في تطوير صناعتها الدفاعية وتقليل تبعيتها للخارج.
تُشغل مصر بالفعل طائرات دون طيار من طراز “وينغ لونغ”، وطائرات تدريب صينية من طراز K-8، وتدرس حاليًا اقتناء طائرة الشحن Y-20. تزامن ذلك مع تقلص قدرة روسيا على تصدير السلاح بسبب انشغالها بالحرب في أوكرانيا، واستمرار القيود الغربية المرتبطة بحقوق الإنسان والضغوط السياسية، مما يجعل الصين شريكًا استراتيجيًا أكثر جاذبية لمصر.

آفاق المستقبل: تعزيز الشراكة وتوطين القدرات


تشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن نظام HQ-9B قد يكون مجرد خطوة أولى في مسار أوسع لتعزيز الشراكة الدفاعية بين القاهرة وبكين. يهدف هذا التوجه إلى توطين القدرات القتالية المتقدمة في مصر، مما يعزز استقلاليتها الدفاعية في مواجهة التهديدات المتصاعدة في المنطقة، من الطائرات المسيّرة إلى الصواريخ الباليستية، ويرسم ملامح جديدة لميزان القوى في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى