الفاشر تحت الحصار: تصدعات التحالفات ومخاطر الانهيار في غرب السودان
في خضم التوتر المتصاعد في غرب السودان، تتعرض مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور وآخر معاقل الجيش السوداني في الإقليم، لحصار خانق وقصف مكثف من قبل قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”. الميليشيات المتحالفة مع القوات المسلحة، وعلى رأسها حركة تحرير السودان بقيادة ميني ميناوي وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، تجد نفسها في وضع عسكري هش، في ظل تأخر وصول التعزيزات من الخرطوم، والتي لا تأتي إلا ببطء، وسط خلاف متعمق مع الجيش النظامي بقيادة عبد الفتاح البرهان.
الدعم الوحيد الذي تلقته هذه القوى المشتركة حتى الآن يأتي من الكتائب التي انسحبت من مدن دارفور الكبرى بعد سقوطها بيد قوات الدعم السريع، مثل نيالا والجنينة وزالنجي والضعين. في المقابل، فإن الميليشيات التي ساهمت في استعادة أجزاء من الخرطوم وولاية الجزيرة جنوب العاصمة في الأشهر الماضية، تتباطأ في دعم حلفائها في دارفور، وخصوصاً اللواء المعروف باسم البراء بن مالك بقيادة المصباح أبو زيد طلحة، الذي يركز حالياً على دعم سيطرة الجيش على العاصمة.
تستند بعض هذه الفصائل إلى حجة مفادها أن لا جدوى من نشر قواتها في الفاشر قبل استعادة السيطرة الكاملة على الخرطوم. في هذه الأثناء، تكثف سلطات بورتسودان، حيث يقيم البرهان، مناشداتها للحصول على دعم دولي لنقل السفارات الأجنبية إليها. وحدها قطر أعلنت منتصف أبريل نيتها في العودة، بينما ترى دول ومؤسسات أخرى أن الوضع غير مستقر للغاية للقيام بخطوة مماثلة.
هذا التأخر في الدعم والخلافات الداخلية يهددان بنسف الاستراتيجية الهشة التي يتبناها البرهان، والتي تعتمد على دمج الميليشيات ضمن المعركة لكسب الأفضلية على الأرض. فمنذ عهد الرئيس السابق عمر البشير، استخدم الجيش السوداني ميليشيات الجنجويد، التي تحولت لاحقاً إلى قوات الدعم السريع، كذراع لمكافحة التمرد، وهو ما يضعف حالياً خيارات البرهان العسكرية. وللتعويض عن ذلك، دفع علي كرتي، زعيم الحركة الإسلامية السودانية ووزير الخارجية الأسبق، بعد سقوط ود مدني في ديسمبر 2023، نحو تعبئة شعبية واسعة النطاق، مذكراً بتجربة قوات الدفاع الشعبي خلال فترة البشير.
استجاب البرهان لهذه الدعوة عبر تشكيل لجنة عليا للتعبئة الشعبية مطلع عام 2024 برئاسة اللواء المتقاعد مكي بشير البهي. هذه اللجنة سهلت انتشار الميليشيات، التي تنشط حالياً في توزيع السلاح والذخيرة والمساعدات المالية والغذائية على المدنيين لتجنيدهم ضد قوات الدعم السريع. وقد سمح هذا الانتشار بتعميق نفوذ الجيش، لكنه في الوقت نفسه أسفر عن تشرذم في بنية القيادة العسكرية، وهو ما يحاول البرهان احتواؤه عبر حصر السيطرة على الموارد اللوجستية والمالية والاستخباراتية في يد جنرالات الجيش النظامي.
لكن هذه السياسة خلقت توترات مع فصائل حليفة مثل حركة تحرير شعب السودان – فصيل الشمال بقيادة مالك عقار، والتي اتُّهمت بعدم تحذير الجيش من كمائن الدعم السريع، خاصة قبل سقوط مدينة سنجة، عاصمة ولاية سنار، في أوائل 2024. ومع استمرار الجيش في قيادة العمليات الجوية وتقديم المعلومات الاستخباراتية، باتت الميليشيات اللاعب الميداني الأساسي، مما قد يخلق صراعات حول تقاسم السلطة والثروة لاحقاً.
من جانبه، يسعى حميدتي إلى استغلال هذه التصدعات لتعزيز موقفه، ويهدف للسيطرة على الفاشر قبل بداية موسم الأمطار في يونيو وقبل استئناف المفاوضات المحتملة. لكن موقعه ليس محصناً، فقد أدت مجازر ارتكبتها ميليشياته أو حلفاؤه ضد الزغاوة، المجتمع الذي ينتمي إليه ميناوي وجبريل، إلى تأجيج التوتر مع تشاد، التي تُتهم بدعم قوات حميدتي عسكرياً ولوجستياً عبر أراضيها. هذا أمر بالغ الحساسية لأن الزغاوة يمثلون أحد أعمدة السلطة في تشاد، التي يقودها حالياً محمد إدريس ديبي، ابن الرئيس الراحل إدريس ديبي الذي كان هو أيضاً من الزغاوة.
ورغم سقوط مجمع اليرموك الصناعي العسكري في الخرطوم في يوليو 2023، فإن القوات المسلحة السودانية حافظت على إنتاجها العسكري. وأظهر مركز دراسات الدفاع المتقدمة في واشنطن أن شركة “مسعد” (نظام الصناعات الدفاعية)، وهي الذراع الصناعي العسكري للسودان، تواصل استيراد مكونات تصنيع الذخيرة من الخارج عبر شبكة من الشركات. وأفادت التقارير أن شركة “جياد السويدي للكابلات”، وهي فرع سوداني لمجموعة السويدي إليكتريك المصرية، استوردت نحو 65,000 كيلوغرام من أكواب النحاس من الهند في أكتوبر 2023، وهي كميات تعادل صادرات شركة راشتريا للصناعات المعدنية الهندية خلال الفترة نفسها.
قبل اندلاع الحرب، كانت “مسعد” تطمح لأن تصبح قوة إقليمية في تصدير الأسلحة، ووقعت عدة مذكرات تفاهم مع شركات هندية، من بينها RMIL، في إطار طموحات تعكس موقع عبد الفتاح البرهان حينها كرئيس لمجلس السيادة السوداني ورئيس لمجلس إدارة الشركة.




