آسياتقارير رصديةسوريا
الرصد السوري… تقرير يرصد آخر تطورات المشهد السوري على المستوى المحلي و الدولي من بوليتيكال كيز.
- شهد المشهد السوري خلال الأسبوع الأخير تراكماً لخطوات سياسية واقتصادية وأمنية عكست ملامح مرحلة جديدة تتبلور ببطء، وتتجه نحو ترسيخ موقع الدولة الانتقالية على المستويين الداخلي والخارجي، في سياق ما يبدو أنه إعادة تعريف للعلاقات الإقليمية والدولية، مع استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية المتراكمة التي تحاصر مؤسسات الحكم الانتقالي وتختبر قدرتها على الإمساك بإدارة التوازنات الدقيقة بين الأطراف الداخلية والخارجية.
- يبدو أن دمشق عملت خلال هذا الأسبوع على ترميم شبكة علاقاتها الخارجية بطريقة متوازنة تجمع بين الانفتاح على الجوار العربي، وتثبيت شراكاتها الاستراتيجية التقليدية مع روسيا، واستيعاب التحولات الدولية المتعلقة بالعقوبات الأميركية. فقد أظهرت جولة وزير الخارجية "أسعد الشيباني" نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً اتخذ بعداً عملياً تمثل في فتح مسارات تعاون اقتصادي واستثماري مع لبنان وتركيا وقطر والسعودية، بما يعكس انتقال السياسة السورية من مرحلة كسر العزلة إلى مرحلة البحث عن اندماج اقتصادي إقليمي يعيد التموضع السوري في محيطه العربي. هذا التوجه ترافق مع تطور لافت تمثل في تسلّم دمشق أوراق اعتماد سفراء دول كالسعودية وإيطاليا وبنغلاديش، بما يكرّس الاعتراف الدولي بشرعية الحكومة الانتقالية ويمنحها مساحة إضافية للمناورة الدبلوماسية. كما أسهم الموقف الأمريكي الأخير بإلغاء قانون "قيصر" في كسر أحد أهم القيود المفروضة على الاقتصاد السوري، ما فتح الباب أمام احتمالات استئناف العلاقات الاقتصادية والمالية تدريجياً مع الغرب، ولو ضمن شروط سياسية غير معلنة.
- في المقابل، أكدت زيارة الرئيس الانتقالي "أحمد الشرع" إلى موسكو استمرار الرهان السوري على الشراكة الاستراتيجية مع روسيا، ولكن ضمن صيغة جديدة تسعى لإعادة تعريف العلاقة على قاعدة الندية والسيادة الوطنية. حديث "الشرع" عن "استقلال الحالة السورية" في مواجهة القوى الدولية أو الإقليمية يعكس رغبة القيادة الجديدة في تجاوز إرث التبعية السياسية والعسكرية الذي طبع مرحلة النظام السابق. وقد جاء الترحيب الروسي بهذا الخطاب ليؤكد أن موسكو مستعدة لإعادة إنتاج علاقتها مع دمشق بما يحافظ على مصالحها الاستراتيجية في المتوسط، مع منح الحكومة السورية هامشاً أوسع في إدارة علاقاتها الخارجية، خصوصاً مع تركيا والعالم العربي.
- على الصعيد الإقليمي، أفرزت اللقاءات الأمنية والسياسية بين دمشق وأنقرة مؤشرات على تحوّل نوعي في العلاقات الثنائية. فالمحادثات التي جمعت وزيري الدفاع والخارجية ورئيسي الاستخبارات في البلدين تشير إلى أن ملفي "قسد" والحدود الشمالية باتا محور تفاهم متقدم بين الطرفين، بما يمهد لإعادة ضبط المشهد الأمني في الشمال السوري. هذا التقدم يجد دعماً ضمنياً من تصريحات الرئيس التركي "أردوغان" التي أبدت استعداداً للتعاون مع دمشق الجديدة على أساس وحدة الأراضي السورية، ما يفتح الباب أمام تسوية ميدانية طويلة الأمد تعيد ترتيب مناطق النفوذ وتحد من الذرائع التركية للتوغل العسكري.
- في السياق نفسه، جاءت التحركات الكردية ممثلة بتصريحات "مظلوم عبدي" لتؤكد التوجه نحو الاندماج الكامل لقوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري، وهو تحول استراتيجي من شأنه أن ينزع فتيل التوتر في شمال وشرق البلاد، ويحد من احتمالات المواجهة مع تركيا أو القوى المحلية المنافسة. إن نجاح هذا الاندماج سيعيد توحيد المؤسسة العسكرية، ويشكل خطوة حاسمة نحو إعادة بناء الدولة المركزية، كما قد يتيح للحكومة الانتقالية تعزيز شرعيتها الوطنية باعتبارها المظلة الوحيدة الممثلة لوحدة البلاد.
- على المستوى الداخلي، عكست التطورات السياسية والإدارية تسارعاً في عملية إعادة هيكلة مؤسسات الدولة بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الانتقالية. فقد برزت جهود وزارة العدل في تصفية إرث النظام السابق من خلال قرارات العفو وإعادة النظر في الأحكام الغيابية، ما يؤسس لمرحلة عدالة انتقالية أكثر شمولاً، ويعيد الثقة بين السلطة القضائية والمجتمع. كما أظهرت القرارات المتعلقة بتشكيل لجان الانتخابات في مناطق الشمال السوري نية الحكومة بمد سلطة الدولة نحو تلك المناطق، في إشارة إلى مسار توحيدي متدرج يسبق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
- إلا أن المشهد الأمني ما يزال يعكس هشاشة واضحة في البنية الميدانية. فالاغتيالات والتفجيرات في إدلب والرقة ودير الزور ودرعا واللاذقية تؤكد أن فلول النظام البائد والتنظيمات المتطرفة ما تزال تملك قدرة على خرق الاستقرار، مستفيدة من تداخل المصالح المحلية والإقليمية. كما أن التوترات في السويداء، رغم طابعها المحلي، تبقى مؤشراً على هشاشة السلم الأهلي وتعدد مراكز القوة المسلحة خارج الإطار الرسمي. في المقابل، أظهرت الأجهزة الأمنية نشاطاً متزايداً في مكافحة المخدرات وضبط الأسلحة، في إطار محاولة لبسط السيطرة الكاملة على المجال العام وتعزيز صورة الدولة القادرة على فرض القانون.
- اقتصادياً، بدأت الحكومة الانتقالية باتخاذ خطوات عملية لاستعادة السيطرة على موارد الدولة وتنظيم النشاط التجاري، مع التركيز على مكافحة الفساد واسترداد الممتلكات المصادرة خلال الحقبة السابقة. الانفتاح على الدول العربية والغربية في مجالات الطاقة والاستثمار يعكس توجهاً لخلق توازن بين الحاجة إلى التمويل الخارجي والحفاظ على الاستقلال الاقتصادي. أما على المستوى الاجتماعي والخدمي، فتظهر بوادر عودة الدولة إلى وظائفها الأساسية عبر تحسين الخدمات القنصلية والتعليمية والصحية، ما يكرس صورة دولة تعمل على استعادة وظائفها بعد سنوات من الانهيار.
- على الصعيد الدولي، شكلت التحركات الأميركية والأوروبية الأخيرة بداية مسار سياسي جديد نحو إعادة دمج سوريا في النظام الدولي، لكن هذا المسار سيظل مشروطاً بمسار الإصلاح الداخلي ومدى التزام دمشق بالمعايير السياسية والقانونية المتفق عليها دولياً. في المقابل، أعادت موسكو وأنقرة وواشنطن توزيع أدوارها في الساحة السورية، في ظل توافق غير معلن على تثبيت الوضع القائم ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، وهو ما يمنح الحكومة السورية الانتقالية فرصة لالتقاط الأنفاس وترسيخ وجودها كفاعل شرعي ومستقر.
- ُظهر حصيلة التطورات أن سوريا تدخل مرحلة "التوازن المعقّد"، حيث تسعى القيادة الجديدة لتثبيت سلطتها من خلال إدارة شبكة علاقات متداخلة مع القوى الإقليمية والدولية، بينما تعمل على استعادة السيطرة على الداخل سياسياً وأمنياً واقتصادياً. فكل خطوة انفتاح خارجي تقابلها تحديات أمنية داخلية، وكل تقدم سياسي يرافقه اختبار ميداني في المناطق الحساسة. ومع ذلك، فإن المؤشرات الإجمالية توحي بأن البلاد تتجه نحو تثبيت معادلة استقرار تدريجي قوامها التفاهم الإقليمي، واحتواء الفاعلين المحليين ضمن منظومة الدولة، بما يفتح الباب أمام تسوية سياسية شاملة قد تضع حداً لحقبة الانقسام الطويلة وتؤسس لمرحلة إعادة بناء الدولة السورية على أسس جديدة من السيادة والمواطنة.
- مزيد من التفاصيل حول آخر تطورات المشهد السوري في الفترة الممتدة ما بين 10و16 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، تقرؤونها في #الرصد_السوري من #بوليتكال_كيز.




